عثمان بن جني ( ابن جني )

439

الخصائص

فالجواب أنّ هذه الأحرف الزوائد في فعوعل ، وفعيعل ، [ وفعنلل ] وبقيّة الباب أشبه بالعين الأولى منها بالعين الآخرة ، وذلك لسكونها ، كما أن العينين إذا التقتا فالأولى منهما ساكنة لا غير ؛ نحو فعّل ، وفعّل ، وفعّيل وبقيّة الباب . ولا نعرف في الكلام عينين التقتا والأولى منهما متحركة ؛ ألا ترى أنك لا تجد في الكلام نحو فععل ، ولا فععل ، ولا فععل ولا شيئا من هذا الضرب لم نذكره . فإذا كان كذلك علمت أن واو ( فعوعل ) لسكونها أشبه بعين ( فعّل ) الأولى لسكونها أيضا منها بعينها الثانية لحركتها ، فاعرف ذلك فرقا ظاهرا . ومنها أن أهل الحجاز يقولون للصوّاغ : الصّيّاغ ، فيما رويناه عن الفرّاء ؛ وفي ذلك دلالة على ما نحن بسبيله . ووجه الاستدلال منه أنهم كرهوا التقاء الواوين - لا سيّما فيما كثر استعماله - فأبدلوا الأولى من العينين ياء - كما قالوا في أمّا : ( أيما ) ونحو ذلك - فصار تقديره : الصّيواغ ، فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو للياء قبلها ، فقالوا ( الصّيّاغ ) . فإبدالهم العين الأولى من الصوّاغ دليل على أنها هي الزائدة ؛ لأن الإعلال بالزائد أولى منه بالأصل . فإن قلت : فقد قلبت العين الثانية أيضا فقلت ( صيّاغ ) فلسنا نراك إلا وقد أعللت العينين جميعا ، فمن جعلك بأن تجعل الأولى هي الزائدة دون الآخرة ، وقد انقلبتا جميعا ؟ قيل قلب الثانية لا يستنكر ؛ لأنه كان عن وجوب ( وذلك ) لوقوع الياء ساكنة قبلها ، فهذا غير بعيد ولا معتذر منه ؛ لكن قلب الأولى - وليس هناك علّة تضطرّ إلى إبدالها أكثر من الاستخفاف مجرّدا - هو المعتدّ المستنكر المعوّل عليه المحتجّ به ، فلذلك اعتمدناه ، وأنشأنا الاحتجاج للخليل عنه ؛ إذ كان تلعّبا بالحرف من غير قوّة سبب ، ولا وجوب علّة . فأمّا ما يقوى سببه ويتمكّن حال الداعي إليه فلا عجب منه ، ولا عصمة للحرف - وإن كان أصليّا - دونه . وإذا كان الحرف زائدا كان بالتلعّب به قمنا . واذكر قول الخليل وسيبويه في باب مقول ومبيع ، و [ أن ] الزائد عندهما هو المحذوف ، أعنى واو مفعول ؛ من حيث كان الزائد أولى بالإعلال من الأصل . فإن قلت : فما أنكرت أن يكونوا إنما أبدلوا العين الثانية في صوّاغ دون